الفــرص القـانونية المتاحة للعلاج من الإدمــان

الفــرص القـانونية المتاحة للعلاج من الإدمــان

يوماً بعد يوم تتعاظم مشكلة تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية ، وهي مشكلة صحية ونفسية واجتماعية لها دوافعها وأسبابها ومعالجتها في إطار سياسة علاجية وقائية واضحة المعالم .

إلا أنه من الملاحظ أن مسألة علاج المتعاطين والمدمنين والأخذ بيدهم ومساعدتهم لا تحظى بالاهتمام الكافي تشريعياً ولا تنظيمياً ولا توجد مصحة واحدة متخصصة لعلاج الإدمان وإنما يتم في حالات محدودة علاج المدمنين من خلال مستشفيات الصحة النفسية والعقلية ولهذا السبب فإن أحكام القضاء بالإيداع في مصحة للعلاج نادرة ، هناك محاولات من قبل الإدارة العامة لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية لتفعيل برامج العلاج والتأهيل وهي جهود مشكورة وتحتاج إلى كثير من التطوير وإلى المزيد من الدعم والمساندة حتى يمكنها من تقديم الخدمات العلاجية والتأهيلية النفسية والإجتماعية والأسرية والمهنية للمتعالجين، وقد قامت الإدارة خلال سنوات سابقة باحتضان الكثير من المتعاطين والمدمنين وقدمت لهم برامج علاج وتأهيل ساعدت الكثير منهم على التوقف على التعاطي وممارسة أدوارهم الحياتية والإجتماعية بشكل إيجابي وفعــال وبدون مخـــدرات .

إن الفرص القانونية المتاحة للعلاج من الإدمان على المخدرات في نطاق قانون المخدرات والمؤثرات العقلية تراعي الجانب الإنساني بإعتبار أن المدمن مريض في حاجة للعلاج والتأهيل والتوجيه والإرشاد النفسي والإجتماعي ، ويمكن إيجـاز هذه الفـرص في الآتـــي :

  • يجوز للمحكمة بدلاً من توقيع العقوبة المنصوص عليها في الفقرة (1) من المادة (37) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية وهي عقوبة السجن (مطلقة) والغرامة التي لا تقل عن ألف دينـار ولا تزيد عن خمسـة آلاف دينــار، أن تأمر بإيداع من ثبت إدمـانه على تعاطي المخدرات أو المؤثرات العقلية إحدى المصحات التي تنشأ لهذا الغرض ليعالج فيهـا إلى أن تقرر اللجنة المختصة ببحث حالة المودعين بالمصحة المذكورة الإفراج عنه (هل هذا مطبق في بلادنـا؟) .
  • لا يجــوز أن تقل مدة الإيداع في المصحة عن ستـة أشهـر ولا تزيد عن سنـة .
  • يشترط أن يثبت الإدمــان من لجنة طبيـة .
  • لا يجــوز أن يودع بالمصحة من سبق الأمر بإيداعه بها مرتين أو من لم يمض على خروجه منها أكثر من خمس سنــوات .
  • لا تقــام الدعوى الجنائية على متعاطي المخدرات أو المؤثرات العقلية إذا تقدم للعلاج بالمصحـة من تلقاء نفسه (العـلاج الطوعي أو الاختيـاري) .

بعد النص السابق من التدابير الوقائية وهي الوسيلة الثانية إلى جانب العقوبات الجنائية التي أقرها المشـرع الليبـي الخـاصة بمكافحة المخـدرات، هذا التدبير هو إخضاع مدمن المخدرات وحمله على قبول العلاج وهو تدبير احترازي أو وقائي علاجي تطغى فيه نسبة العلاج، في طبيعته القانونية هو جزاء جنائي يختص به القضاء لأنه ينتقص من حقوق المحكوم عليه ويقيد حريته ولا يتقرر إلا على شخص ثبت إرتكابه لجريمة التعاطي وهو خاضع لمبدأ الشرعية لأن القاضي يطبقه بنـاء على نص في القـانون ، ويخضع لنفس المبادئ والضمانات التي تخضع لها العقوبات وهل من المناسب أن يخضع المدمن أو المتعاطي لنفس القواعد الإجرائية التي يخضع لها مجرم المخــدرات ؟ أم أن هناك رؤية خاصة في هذا الموضـوع .

ويشـترط لتطبيق هذا التدبـير ما يــلي :

  • الأمر بإيداع مدمن مصحة للعلاج لا يمكن اتخاذه إلا بعد أن يثبت توافر أركان الجريمة ويدان بارتكابه جناية من الجنايات المنصوص عليها في الفقرة (1) من المادة (37) من قانون المخـدرات والمؤثرات العقلية وهي أفعال الاتصال بالمخـدر أو المؤثر العقلي بقصد التعاطي أو الاستعمال الشخصي أو تعاطيها فعلاً في غير الأحوال المصرح بها قانوناً، أما إذا حكمت المحكمة المختصة ببراءته فأنه لا يحق لها أن تأمر بإيداعه مصحة للعلاج أو إذا حكمت بإدانته في جرائم أخـرى منصوص عليها في قانون مكافحة المخدرات أو في قوانين جنائية أخرى، كان ينبغي أن تتاح للمحكـوم عليه (السجـين) المدمن المدان في جريمة اتجـار أو غـيرها فرصة للعلاج داخل السجن وكان الأولى بالمشـرع الليبي أن يضمن حق المدمن أو المتعاطي مهما كانت جريمته في تلقى العلاج اللازم من الإدمـان والرعاية المستحقة بالإضـافة إلى معـاقبته .
  • الأمـر بإيداع المدمن إحـدى المصحـات للعلاج جـوازي للمحكمـة، إذ يجوز لها أن تأمر باتخـاذ هذا التدبير ضده أو أن تحكم بالعقوبة المقررة بالفقرة (1) من المـادة (37) المشار إليها مسألة تقديرية للقاضي في تقدير حالة المتهم من جهة استحقاقه لهذه العقوبة أو حالة تستدعي العلاج، وهو تخيير ليس متناسب في الحقيقة بين العقوبة المشار إليها والتدبير بالإيداع (عقوبتين غير متعادلتين) وهي منطقة وسط بين اعتبار المدمن مريض في حاجة إلى علاج أو منحرف يجب مواجهته بالعقاب، يجب حسم هذا الأمر ومن الأنسب أن يكـون الأمر بالإيداع وجوباً لأن الغاية والهدف هو تحقق مبـدأ العـلاج .
  • أن يثبت إدمان الجاني على تعاطي المخدرات أو المؤثرات العقلية، فإيداع المتهم مصحة للعلاج مرتبط بإثبـات أنه مدمن أما إذا كان مجرد متعاطي أي أنه لم يصل إلى حالة الإدمـان فأن العقوبة الجنائية هي الواجبة التطبيق وحيث أن الإدمـان هو مدلول طبي ومسألة فنية لا يمكن إثباتها إلا بتقرير طبي من اللجنة الطبية المختصة بذلك، فخصائص الإدمـان تختلف من عقار مخـدر إلى آخر وأن أعراض الإدمان وشدة الاضطرابات النفسية والجسمية نسبية من مدمن إلى آخر وليس في مقدور المحكمة تقدير ذلك ولا بد من عرضه على اللجنة المختصة، ويعد هذا قيد على حرية المحكمة في الأخذ بأي دليل تراه طبقاً للقواعد العامة في الإثبــات ومن الملاحظ أن قانون المخدرات والمؤثرات العقلية لم ينص على طريقة تشكيل اللجنة وحيث أن تدبير الإيداع من المسائل التي ترتبط بالحقوق والحريات الشخصية وتمثل قيداً على حرية المدمن أن تشكل لجنة للأشراف القضائي تتولى الأشراف على حالة المودعين بالمصحات والإفراج عنهم ويكون تشكيلها بقرار من وزير العـدل وعلى أن تكون برئاسة أحد مستشاري محكمة الاستئنـاف ورئيس نيابة مكافحة المخـدرات وممثلين عن وزارة الصحة – ووزارة الشـؤون الاجتماعية – إدارة مكافحة المخـدرات والمؤثرات العقلية – عضو عن النيابة العسكرية – ومدير المصحة وتستعين اللجنة بمن ترى ضرورة الاستعانة به من الخبراء والمختصـين .
  • أن المحكمة هي الجهة الوحيدة التي يجـوز لها الأمر بالإيداع فسلطات التحقيق وكذلك المحكمة في أثناء مرحلة المحاكمة وقبل النطق بالحكم لا يجوز لها أن تقيد حريته بحبسه احتياطياً على ذمة القضية وذلك وفقـاً للقواعد العامة في قانون الإجراءات الجنائية وهو ما يعني معاملة المدمن على تعاطي المخـدرات معاملة المنحرف جنائيـاً طوال مرحلة التحقيق والمحاكمة مهما طالت مدة هذه المراحل ويظل المدمن يعاني من الآم الإدمـان القاسية والمؤلمة التي لا يقوى على احتمالها ولا يقدر على مقاومتها وكان من الأفضل أن يخـول المشـرع جهات التحقيق والمحكمة المختصة بنظر الدعوى إذا رأت وجود دلائل قوية وكافية تفيد بأن المتهم مدمن تعاطي المخدرات أن تأمر بإخضاعه للعـلاج اللازم إلى حين النطق بالحكـم .
  • إيداع المدمن المصحة إلى أن تقرر اللجنة المختصة ببحث حالة المودعين بالمصحات الإفراج عنه ولا يجوز أن تقل مدة الإيداع عن ستـة أشهـر ولا تزيد عن سنـة وهذا يعد قيد على العلاج ويربك الخطط العلاجية والتأهيلية، إن علاج بعض المدمنين على تعاطي من حالة الإدمان قد يقتضي المدة المقررة في القـانون أو أكثر من ذلك أو أقل أو قد يقتضي مجرد التردد على عيادات خارجية مختصة مرة أو مرتين في الأسبوع أو تلاقي العلاج في المنزل وبذلك يشرك الأسرة في خطة العلاج ويعطي شعوراً أكثر بالثقة وأقل عب على المجتمع وقد يكون ذلك كافياً لعلاجه، لذا ينبغي أن يترك للجنة المختصة تحديد الطريقة والمدة التي يتم بها علاج المدمن إلى أن يحقق هدفه وهو الشفاء التام وعدم العودة إلى تعاطي المخـدرات بشكل مستمـر .
  • أن يكون قد مضى على خروجه من المصحة أكثر من خمس سنوات ويستوي في ذلك أن يكون دخوله المصحة من تلقاء نفسه أو بنـاء على أمر من المحكمة بإيداعه فيهـا فقد جاء الحكـم عاماً، وهذا القيد ليس له مبرر فإذا لم يجدي معه العلاج؟ فما جـدوى العقوبة؟ وهل السجن يصلح من حـاله؟ والأنسب هو إيداعه المصحة حتى ولو تكررت مرات الدخـول .

كمـا يلاحظ على نص المـادة (37) أنها قد جمعت في نص واحد العقوبة والتدبير بالإيداع وتصورت العقوبة صدر المـادة وكأن الأصل هو العقوبة، وهناك من يرى عدم جواز الجمع بين التدبير الوقائي الشخصي والعقوبة الجنائية ونرى أن يتم تخصيص فصلاً كاملاً ومستقلاً بأحكــام العلاج في ضو الدراسات الحديثة والتشريعات المقارنة والمعـايير الدوليـة .

حقـائق مرتبطـة بمسـألة العـلاج من الإدمــان

  • استبعـاد علاج المدمن على المخدرات في مصحات نفسية وعقلية، فالدراسات الحديثة تدل على عدم جدوى علاج المدمن بالمصحات النفسية والعقلية وذلك بسبب نظرة المجتمع للأشخاص الخارجين من هذه المصحات حتى بعد علاجهــم .
  • عـلاج الإدمـان من المخــدرات مسؤولية صعبة ومكلفة ولكن واجب الدولة توفير مصحات العلاج وتوفير الخدمة العلاجية وضمان جودتها وسهولة الوصول إليها لاستقطاب المرضى المدمنين .
  • ترك المدمنين دون علاج يؤدي إلى خسائر كبيرة جداً من الناحية الاقتصادية والاجتماعية على الفـرد والأسـرة والمجتمـع .
  • علاج حالات الإدمان من المخـدرات يؤدي إلى خفض الاستخـدام للمخـدرات من (40% إلـى 60%) .
  • مقابل كل دينـار يصرف على العلاج يعطي عائداً يعادل 10 دينـار (خفض معدلات الجريمة المرتبطة بالمخـدرات والإنفاق على المكافحة – التكاليف المرتبطة بالصحة – زيادة الإنتـاج – الحد من المشكلات الاجتماعية والنفسيـة …..) .
  • أن يخضع المتعاطي أو المدمن إلى برنامج علاجي تأهيلي متكامل (طبيـاً ونفسيـاً واجتمـاعياً وإرشـاد ديني) تحت إشراف فريق علاجي متخصص ومؤهل علمياً أما عملية تطهير الجسم من سموم المخدرات ما هي إلا الخطوة الأولى في برنامج علاج شامل .
  • أن تكون المصحات المتخصصة ذات المواصفات السليمة من حيث درجة العزل وكفاءة الحراسة وطبيعة العلاج ومحتوى البرنامج العلاجي وتوفير التجهيز الطبي المعملي وتوفير التخصصات العلمية المؤهلة والمدربة وذات الكفاءة المهنية الواجبـة .
  • دعم عيادات خارجية تقدم الخدمة العلاجية على أساس نظام التردد على فترة محددة .
  • البقاء في المصحة لفترة مناسبة ودون قيد أو شرط أمراً ضرورياً في عملية التعافي والخروج بنتائج إيجـابية .
  • التعافي من الإدمان يعتبر عملية ذات أمد طويل وتحتاج باستمرار إلى مراحل متعددة من المعالجة كما في الأمراض المزمنة قد تحدث الانتكاسة أثناء أو بعد معالجة ناجحة للإدمــــان .
  • التعافي التـام من الإدمـان هو التوقف التـام والمستمر عن المخـدر والعلاج الحقيقي يبدأ بعد الخروج من المصحة ولذلك لا بد من مؤسسات تقدم برامج تكميلية ورعاية لاحقة وإعادة إدماج بشكل طبيعي في المجتمع .
  • الكشف المخبري عن حالات التعاطي المبكر وأن يكون هذا ملزماً في حالات معينة، وتقديم خدمات التدخل العلاجي المبكر لحالت من التعاطي قبل أن يستفحل أمره فيتحول إلى إدمـــان .
  • السماح للقطاع الخاص أن يقدم الخدمات العلاجية لمشكلات التعاطي والإدمـان في ظل شروط معينـة .
  • ضرورة الحفاظ على أسرار المودع باعتبار ذلك حقاً من حقوقه الأساسية.

في ضو المناقشة السابقـة وبالنظـر إلى واقع علاج الإدمـان في ليبيــا فأن هناك ضرورة إلى إعـادة النظر في المسـائل القانونية والتنظيمية واتخـاذ مبادرة وطنية جـادة وإثراء النقــاش ووضع التوصيـات موضع التنفـيذ .

المدمن إنسـان ومواطن محترم ومن حقه الحصول على خدمات الرعاية الصحية المناسبة بكل سهولة ويسـر، ولا يعـامل على أنه موصوم بوصمة إجرامية أو أي شكل من أشكـال النبذ أو الوصـم الاجتمـاعي، بل تشجيعـه وتحفـيزه على التقـدم للعـلاج طواعيـة أو حمله على قبـول العـلاج إجبـارياً وعدم إشعــاره بأنه مخالف للقـانون وإنمـا إحسـاسه بأنه مريض ويجب علاجــه .

عقـيد متقـاعد / مصطفـى أبو لسـين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *