علاقــة تعاطــي المخـــدرات بالأمــراض الفيروسيــة المعديـــة

علاقــة تعاطــي المخـــدرات بالأمــراض الفيروسيــة المعديـــة

يصادف اليوم الأول من شهر ديسمبر من كل عام اليوم العالمي للإيدز وهو مناسبة سنوية خاصة لتركيز الانتباه على هذه المشكلة الملحة التي تؤثر فينا جميعاً ولتوحيد جهودنا في مواجهة هذا التحدي الخطير .

الإيدز عفى (الله) الجميع ينتشر في كل دول العالم رغم أن هناك اختلاف في معدل الانتشار وكذلك بين الفئات التي يكثر فيها، ومما يلاحظ أن معدلات الانتشار في أفريقيا والشرق الأوسط تتزايد عاماً بعد آخر، وأصبحت مشكلة هذا المرض محلية (غير مستوردة) .

ظهر فيروس الإيدز لأول مرة في العالم عام (1981م) وبدأ في الانتشار عام (1983م) عن طريق السياحة الجنسية واكتشف هذا المرض ما بين عامي (1984 – 1985م) .

في جسم كل انسان جهاز مناعي وهو من نعم (الله) سبحانه وتعالى وظيفته الأساسية هي مقاومة الأمراض المعدية والمحافظة على حياة الإنسان من كل المخاطر المرضية التي يتعرض لها، وفيروس الإيدز هو الفيروس الذي يهاجم الجهاز المناعي في جسم الإنسان ويسبب تدميره بشكل نهائي ويصبح غير قادر على مقاومة الفيروسات والميكروبات والطفيليات والفطريات وغيرها من الكائنات الغريبة التي تهاجم الجسم وخاصة الأورام السرطانية وينتهي أمره بالوفاة .

ويتركز تواجد الفيروسات المعدية بشكل كبير في الإفرازات الجنسية والدم، وتتم العدوى بهذا الفيروس من خلال الاتصال المباشر بهذه السوائل .

وهناك ثلاث طرق لانتقال العدوى من شخص يحمل الفيروس إلى شخص سليم :

  • الاتصال الجنسي بكل أنواعه .
  • دم ملوث بالفيروس (استخدام حقن مشتركة أو أدوات ملوثة أو عمليات نقل دم).
  • انتقال الفيروس من الأم المصابة إلى طفلها أثناء فترة الحمل أو أثناء الولادة أو بعدها بقليل .

 وحامل العدوى قد يبدو سليماً معافى ويشعر بالصحة والعافية ولكنه رغم ذلك يمكن أن يكون مصدر لنقل العدوى للأخرين .

ولا ينتشر الفيروس المسبب لمرض الإيدز عن طريق الهواء أو التنفس أو العطس أو السعال أو المصافحة أو المعانقة أو الرضاعة أو الاستعمال المشترك لأدوات الطعام أو الشراب أو المناشف أو أي شكل من مظاهر الحياة العملية أو اليومية .

ومن لطف (الله) سبحانه وتعالى أن الحشرات مثل البعوض لا ينقل عدوى الإيدز فهذا الفيروس لا يعيش أو يتكاثر داخل خلايا جسم البعوضة .

ويمثل تعاطي المخدرات عن طريق الحقن الوريدي وهو من الوسائل المفضلة لتعاطي المخدرات لقدرته على توفير درجة عالية من المتعة ورخص كلفته أحد الأسباب الرئيسية وأحد العوامل التي تساهم بشكل كبير في انتشار فيروس الإيدز فئة متعاطي المخدرات بالحقن من أكثر الفئات المعرضة لمخاطر انتقال العدوى بفيروس الإيدز .

ملامــح مشكـــلة الإيــــدز في ليبيـــا

كان أول ظهور لفيروس الإيدز في ليبيا في منتصف عام (1986م) حيث تم اكتشاف إصابة عدد (26) حالة إصابة وهم من مرضى (الهيموفيليا) وفي عام (1989م) تم التبليغ عن (5) حالات إصابة أخرى، وعلى أثر ذلك تم تشكيل اللجنة الوطنية لمكافحة مرض نقص المناعة البشري (الإيدز) وتم تزويد جميع مصارف الدم بالأجهزة والمحاليل الخاصة بالكشف على الأجسام المضادة في الدم وذلك للتأكد من سلامة الدم المنقول للمرضى في جميع أنحاء البلاد .

وتحول الموقف من مجرد حالات محدودة إلى شبه وباء، وظهرت مستويات عالية من الإصابة بالأمراض الفيروسية المعدية المرتبطة بتعاطي المخدرات مع بداية انتشار مخدر الهيروين ونمط تعاطيه عن طريق الحقن الوريدي .

وبداية تسرب الهيروين إلى ليبيا يرجع إلى السنوات الأولى من عقد الثمانينات ولم يكن لغرض التجارة أو الكسب وإنما لسد احتياجات الجالبين لهذا المخدر أنفسهم وخلال النصف الثاني من عقد الثمانينات دخلت ليبيا في حقبة تجارة الهيروين على يد بعض العائلات الليبية لغرض الكسب والثراء السريع وبداية من النصف الثاني من عقد التسعينات انتقل زمام تجارة الهيروين في ليبيا إلى يد شبكات التهريب الأفريقية وخاصة النيجيرية منها، ومن النتائج المترتبة على سيطرة شبكات التهريب الأفريقية على سوق الهيروين في ليبيا إلى تغييرات جذرية في مصدر إنتاج الهيروين المهرب إلى ليبيا وفي طرق الإخفاء وفي اتباع سياسة التساهل والتسامح والترغيب في عمليات البيع بهدف تشجيع انتشار التعاطي ودفع الشباب إلى تجربة تعاطي الهيروين ثم الإدمان عليه، وصاحب ذلك انخفاض شديد في أسعار الهيروين ولم يعد يقتصر تعاطيه بين الفئات ذات القدرة الشرائية المرتفعة وإنما بدأ تغلغله التدريجي في الأحياء والشرائح الاجتماعية الأقل شراء مما ساهم في تسهيل ترويج الهيروين .

لقد لعب هذا التغير في وضع الهيروين دوراً حاسماً في تفشي وانتشار الأمراض الفيروسية وبرزت مشكلة صحية لم تكن في الحسبان مترتبة على انتقال أداة الحقن مدمن إلى مدمن، فالمدمنون لا يعتنون بتعقيم أدوات الحقن وغالباً ما ينضمون إلى مجموعات منغلقة على نفسها لها طقوسها ومتضامنة ومتشاركة في عمليات التعاطي .

وأخذت المشكلة شكلاً انفجارياً في أواخر عقد التسعينات، حيث بينت إحصائيات مركز تاجوراء لعلاج الإدمان على أن ما نسبته (54%) من الذين تم إيواؤهم بالمركز خلال الفترة من عام (2000م وحتى 2010م) كانوا مصابين بأحد الأمراض الفيروسية المتعلقة بتعاطي المخدرات، وقد أربكت هذه المشكلة في تلك الفترة الأجهزة الصحية والمجتمع الذي لم يعد قادر على التكيف معها وظهر قدر عالي من الوصم والتمييز ضد المتعايشين مع هذا المرض حتى يتم رفض تقديم الخدمات لهم في المرافق الصحية والخدمية المختلفة ويتم طردهم من أعمالهم في حالة معرفة إصابتهم بهذا الفيروس مما جعل العديد منهم يضطرون للسفر إلى الخارج للحصول على العلاج للقادرين منهم مادياً وكذلك للحفاظ على سرية علاجهم وأخذ بعضهم موقفاً عدائياً من المجتمع .

إن انتشــار فيروس الإيــدز في تلك الفترة كان نتيجة لعــدد من العوامل أهمهــا :-

  • أن الهيروين المتوفر في السوق الليبي لا يصلح للتعاطي إلا عن طريق الحقن .
  • انتشار الحقن المباشر بواسطة المروج نفسه .
  • نذرة الحُقن في الصيدليات عامي (1997م–1998م) وصعوبة حصول المتعاطين عليها .
  • جهل المدمنين بالأمراض الفيروسية وطرق انتقالها والوقاية منها .

وبسبب طرق العدوى المتعددة التي ينتشر فيها فيروس الإيدز والوقت الطويل الذي يستغرقه بين بدء العدوى إلى ظهور أعراض المرض، وعدم وجود لقاح ولا علاج شافي، فلا نملك أمام هذا الفيروس القاتل إلا اتباع وسائل الوقاية، فالوقاية هي حجر الزاوية في منع ظهور وانتشار مرض الإيدز والحد من مخاطره، فإن اتقاء العدوى بفيروس الإيدز في متناول كل من يريد، والحرص والحذر مطلوبين والجميع مطالب بتجنب تعاطي المخدرات وتجنب الذين يمارسون الشذوذ الجنسي والالتزام بالأخلاق الحميدة والتعاليم القويمة والعفة والإخلاص والوفاء الزوجي، وأن نضع مشكلة الإيدز والمخدرات أمام أعيننا بصورة دائمة وأن نعطيها ما تستحقه من أولوية فهي قنبلة موقوتة إذا أغفلنا عنها اليوم فسوف تنفجر غداً ولا نستطيع السيطرة عليها، فلا يمكن معالجة مشكلة الإيدز بمعزل عن مشكلة المخدرات وأن أية استراتيجية لخفض نسبة الإصابة بالأمراض الفيروسية أو القضاء عليها يرتبط بخفض التعاطي والإدمان .

فمعركـــة الإيـــــدز والمخــــــدرات هي معركـــة الـــتزام جمـــــاعي .

عقــيد متقـاعد /

مصطفى ميــلاد أبولســين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *