الوقاية أولاً والوقاية أخيراً

الإفتتاحية

الوقاية أولاً والوقاية أخيراً

هناك إجماع على تنامي وخطورة مشكلة المُخدرات في ليبيا ، ولكن هناك إختلاف وعدم جدية في معالجتها ، آفة المُخدرات في تزايد مستمر ( كماً وكيفاً ونوعاً ) وهي تنتشر كإنتشار النار في الهشيم وأن المؤشرات الإحصائية المتعلقة بضبطيات المُخدرات تكشف عن أرقام مرعبة من الأنواع المختلفة من المواد المُخدرة والمؤثرة على الحالة العقلية وخاصة ( الكوكايين وعقار النشوة الإكستاسي ) وتعكس هذه الأرقام حجم الإقبال الكبير عليها وأنها أصبحت في متناول كل الفئات بعد أن كانت حكراً على الأغنياء أو ما يعرف بمُخدرات أصحاب الياقات البيضاء ، فمن الثابت أن ما يتم ضبطه لا يتجاوز خُمس ما يمكن أن يتسرب إلى أسواق الإستهلاك .

المجتمع وفقاً للمعطيات الإجتماعية غالباً ما يقود الفرد إلى تعاطي المُخدرات وهو الذي قد يضيفه في هذا المصير المظلم وتسريب المُخدرات إلى باقي أفراد المجتمع ، بسبب أي أزمة أو إضطراب أو خلل في بنائه الإجتماعي أو الإقتصادي أو الفكري أو الثقافي وعندما تنهار وتضعف وسائل الضبط والتربية السليمة والرقابة والتوجيه ومنظومة القيم وقواعد الأخلاق ، لذا وجب على المجتمع أن يتدارك الموقف بالإصلاح والعلاج والوقاية وإعادة التنشئة وإزالة جميع العقبات التي تحول دون التوافق الإجتماعي للفرد .

إن الهدف الأساسي من برامج الوقاية هو تحجيم العوامل المهيأة لتعاطي المُخدرات والتغيير والتعديل في المفاهيم والمعتقدات الخاطئة عن المُخدرات والمساعدة في تخفيف الضغوط الحياتية على الفرد وبناء شخصية متوازنة وقادرة على تحمل المسؤولية .

لو كانت هناك برامج حقيقية للوقاية ، لما وصلت ظاهرة المُخدرات إلى هذا الحال ، نحن مجتمع واعٍ يدرك ما يحيط به من أخطار ونملك من الأدوات والوسائل الكثير التي تمكنها من حصار المشكلة إلى أقصى ما يمكن ، فالمُخدرات إن لم نقضي عليها قضت علينا .

لذا أصبح ضرورياً تبني إستراتيجية وقائية للتقليل من إنتشار هذه الآفة ومواجهة مخاطرها ، ترتكز على ما يلى :-

  • دمج برامج الوقاية في خطط التنمية الإجتماعية والإقتصادية .
  • تنفيذ برامج شاملة وحيدة الترابط لتقليل العرض وتدابير شاملة ومحددة لخفض الطلب غير المشروع ومراقبة الإستخدام المشروع ، حيث لا تستطيع برامج الوقاية أن تحقق أهدافها بنجاح طالما كانت معدلات العرض والطلب على المُخدرات في إرتفاع مستمر .
  • تطوير وتوظيف الخطاب الديني والإعلامي في التوعية بمضار المُخدرات وخاصة تلك الموجهة لفئة الشباب وتقوية دعائم الأسرة .
  • العمل على بناء مبدأ المشاركة في المسؤولية فجهود الوقاية منظومة متساندة ومتكاملة في المجالات والأنشطة والبرامج تُقدم على مبدأ المسؤولية المجتمعية ومبدأ التعاون والتنسيق وإشراك الجميع بدأً من أجهزة الدولة المختصة أو المعنية أو المهتمة ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الأهلية والقطاع الخاص .
  • إدخال التعليم والتثقيف والتوعية بأضرار المُخدرات ضمن المقررات الدراسية .
  • إعادة تنظيم مؤسسات شغل أوقات الفراغ .
  • إيجاد معالجة جادة لظاهرة البطالة .
  • تطبيق برامج الكشف المبكر للمتعاطين والإهتمام بإجراء الكشف الطبي الدوري الخاص بإكتشاف تعاطي المُخدرات .

وتتحدد أهم المشكلات التي تعوق العمل الوقائي في الأتي :-

  • عدم الجدية وعدم وجود جهة عليا تنظم وتشرف على العمل في برامج الوقاية .
  • عدم وجود سياسة عامة واضحة تناقش نماذج وأساليب الوقاية بما يتفق مع خصائص وظروف وأحوال المجتمع .
  • عدم وجود قاعدة بيانات تساعد على التعرف على كافة أبعاد المشكلة .
  • النقص الكبير في الكوادر المتخصصة ذات الخبرة في مجال الوقاية وعدم وجود الدورات المتخصصة والمتطورة التي تصقل خبراتهم .
  • تشتت الجهود وعدم وجود الدعم الكافي لهذه البرامج .

نتطلع إلى قيام مشروع وطني يحقق نموذج للتكامل الإجتماعي للحد من تنامي مشكلة المُخدرات ويعكس المستوى الراقي لمجتمع يقدر قيمة الإنسان في الحياة الإجتماعية ، ويستفيد من إستثمار طاقاته في البناء بدلاً من تركه يسئ إلى نفسه ومجتمعه ، ونصل بعون الله وقوته إلى الهدف الذي نسعى إليه جميعاً وهو مجتمع خالٍ من المُخدرات .

بقلم عقيد / مصطفى ميلاد أبولسين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *