عوامل السقوط في مصيدة تعاطي المخدرات

 

مع تعدد مناهج وأساليب وأدوات البحث العلمي المستخدمة في إجراء الدراسات والبحوث الإجتماعية التي قصدت دراسة وبحث الأسباب الكامنة أو الدافعة نحو تعاطي المخدرات ، إلا أنها تكاد تكون قد إتفقت معظمها من حيث نتائجها العاملية المسببة بشكل – مباشر أو غير مباشر- لإنحراف الشباب وسقوطهم بمصيدة التعاطي والإدمان ، فهذه العوامل صُنفت في مجموعات ثلاث رئيسة :

–       المجموعة الأولى ( العوامل الشخصية ) : وهي كل العوامل والأسباب المتعلقة بالفرد نفسه وحالته النفسية .

–       المجموعة الثانية ( البيئة الإجتماعية المحيطة ) : يدخل تحتها كل العوامل المتعلقة بالمؤسسة الإجتماعية كــ ( الأسرة ، والمدرسة ، ووسائل الإعلام ، وجماعة الرفاق ) .

–       المجموعة الثالثة ( المادة المخدرة ) : تدخل في إطار هذه المجموعة  كل العوامل المتعلقة  بالمادة المخدرة .

ولنفهم بدقة طبيعة تأثير هذه العوامل التي لا تعمل منفردة بل تحتاج لمناخها المناسب لتحقق نتائجها على عملية الإتجاه نحو المخدرات سلباً أم إيجاباً .

 

أولاً : مجموعة العوامل الشخصية :

المقصود بها كل تلك العوامل المتعلقة بحالة الفرد وتركيبة شخصيته ، وما إذ كان ذا شخصية مضطربة أو يعاني من إضطرابات أو أمراض نفسية أو جسمية أو عاهات جسدية ، بالإضافة إلى العوامل الوراثية ، وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن سوء إستخدام العقاقير الطبية عادة ما تكون مصحوبة بعدد من الإضطرابات النفسية ، فالمرضى الذين يعانون من إضطرابات فرط الحركة ، الإكتئاب ، القلق ، الوسواس القهري ، الفصام ، أو إضطرابات المزاج يكونون في الغالب عرضة لخطر إستخدام المخدرات وبينت الدراسات بأن خطر إستخدام المخدرات في المرضى النفسيين هو أربعة أضعاف الأشخاص الطبيعيين .

ثانياً : مجموعة عوامل البيئة الإجتماعية المحيطة :

تدخل في إطارها كل العوامل المتعلقة بالمؤسسة الإجتماعية كــ ( الأسرة ، والمدرسة ، ووسائل الإعلام ، وجماعة الرفاق ) ، وهي عادة ما يكون لها تأثيراتها الكبيرة على تكوين شخصية الفرد والتأثير في إتجاهاته نحو المخدرات وغيرها سلباً أم إيجاباً والتي نستعرضها على النحو التالي :

‌أ-       العوامل الأسرية :

بإعتبار أن الأسرة هي نواة المجتمع يعيش في كنفها الإنسان وهي البيئة الإجتماعية الأولى الحاضنة والتي عن طريقها يتشرب الإنسان عادات وتقاليد  المجتمع ، ويكتسب من خلالها مهارات الحياة الأولى الأساسية ، فالأسرة تقوم بدور رئيسي في عملية التطبيع الإجتماعي لأفرادها ،  فالأسرة هنا هي أولى الجماعات التي يرتبط بها الفرد بأوثق العلاقات فهي من تشكيل سلوكه منذ مرحلة الطفولة ، ويمتد هذا التأثير حتى يشمل كل جوانب شخصية الفرد .

فمن هنا يتضح لنا جلياً أن للأسرة دوراً إيجابياً في الرعاية ، والحماية ، والتنشئة الإجتماعية ، وتعتمد صحة وفاعلية هذا الدور على الوفاء بجملة من الحاجات الأساسية لكافة مراحل نمو الفرد ( البدنية والصحية والتربوية والتعليمية والإقتصادية  والإجتماعية ) وغيرها من إحتياجات لاحقة ، لها تأثير كبير في تشكيل الإتجاهات والقيم والسلوك ، كما يجب الإنتباه جيداً إلى أن إنحراف هذا الدور الإيجابي عن مساره بسبب سوء العلاقات الأسرية بين الوالدين أو فقدان أو غياب أحد الوالدين سواء نتيجة الوفاة أو الطلاق أو السفر ، كذلك كثرت الخلافات الزوجية التي ترهق الأبناء وتهدم حياتهم ، أو اللامبالاة في تنشئتهم وعدم متابعتهم ، وكذلك غياب الرقابة المنزلية من طرف الأب أو الأم بسبب الجهل أو الإنشغال بالعمل ، وكذلك تعاطي المخدرات من قبل الأبوين أو أحدهما ،  يخلق مشكلات وجدانية في الشخصية ، وتسود أجواء التوتر والإضطراب والمشكلات النفسية ، فيصبح دور الأسرة سلبياً ويكون الحل أمام الفرد إنهزامياً وهو الهروب إلى عالم المخدرات والإنحرافات السلوكية ، وفي هذا الإطار تؤكد عديد من الدراسات والبحوث الإجتماعية بما لا يدع مجالاً للشك أن الأفراد الذين يعيشون في أسر مفككة يعانون من المشكلات العاطفية والإجتماعية بدرجة أكبر من الذين يعيشون في أسر سوية ، ولذا فإن من أهم العوامل المؤدية إلى تفكك الأسرة هو الطلاق أو وفاة أحد الوالدين أو عمل الأم أو غياب الأب المتواصل عن المنزل ، كما أن إدمان الأب على المخدرات له تأثير ملحوظ على تفكك الأسرة نتيجة ما تعانيه أسرة المدمن من تدع وخلافات بسبب سوء العلاقة بين الفرد المدمن وبقية أفراد أسرته  ، ويؤكد المختصون في مجال الخدمة الإجتماعية على أن عدم الإستقرار في العلاقات الزوجية وإرتفاع نسبة الهجر والطلاق من العوامل المسببة للتصدع الأسري وجنوح الأحداث لأن الطلاق معناه بالنسبة للحدث الحرمان من عطف أحد الوالدين أو كليهما والحرمان من الرقابة والتوجيه والإرشاد السليم .

‌ب-     الجماعات الثانوية:

الجماعات الثانوية ، المقصود بها هنا هي تلك الجماعات التي ينتمي إليها الفرد خارج إطار الأسرة ، فكل الجماعات التي ينتمي إليها الفرد ، تشكل البيئة الإجتماعية الثانية – بعد الأسرة – التي يحيا فيها ، وهذه الجماعات أما أن تكون داعمة لبنية الأسرة أو هادمة لها ومنها : جماعة المدرسة ( زملاء الدراسة ) ، وجماعة الرفاق ، والجيران ، والأقارب .

 

 

‌ج-     جماعة الأصدقاء والرفاق :

تُعد هذه الجماعة من أشد الجماعات الأولية تأثيراً على شخصية الفرد ، ومن ثم على تكوين أنماط السلوك الأساسية لديه ، وهذه الجماعات منها ما تكون متسقة مع السياق العام للمجتمع ، ومنها ما تكون منحرفة عنه ، وقد تعني هذه الجماعات الشيء الكثير في نفس الفرد أكثر مما تعني الأسرة والذي قد يجعل الفرد سوياً في المجتمع أو بالعكس قد تكون من أسباب ضياعه وإنحداره نحو طريق الإجرام في حال كون أصدقائه من المنحرفين والخارجين عن القانون والذين يلتزمون بمعايير غير إجتماعية .

إن قضية حب الإنتماء إلى المجموعة المقاربة له عمرياً مثل زملائه و أصحابه في المدرسة و جيرانه و شعوره بالراحة و الدعم النفسي و الحماية بصحبتهم يدفعه لمجاراتهم في سلوكهم ، فتعاطي أفراد المجموعة للمخدرات يشكل دافعاً قوياً له للتعاطي فهو يخشى نبذ المجموعة له إذا لم يجاريهم في تصرفاتهم و سلوكهم و كما يقال فإن الصاحب ساحر.

إن للأصدقاء دوراً كبيراً في التأثير على إتجاه الشخص نحو تعاطي المخدرات ، إذ أنه لكي يبقى الشخص عضواً مقبولاً في صحبة تلك الجماعة فيجب عليه أن يسايرهم في كل عاداتهم وإتجاهاتهم ، ولذلك نجده يبدأ في عملية التعاطي في حالة تعاطيها من قبل أفراد تلك الجماعة ، وتصعب عملية إيقاف تعاطي المخدرات لأجل أن يبقى مقبولاً بين الأصدقاء ولا يفقد الإتصال بهم .

وقد بينت معظم الدراسات أن الشباب يحصلون على المخدرات من أصدقائهم الذين في مستوى سنهم وإن التناقض الذي يعيشه الشاب في المجتمع قد يخلق لدية صراعات عند تكوينه للإتجاه نحو تعاطي المخدرات فهو يجد نفسه بين مشاعر وقيم رافضة وأخرى مشجعة .

كما أن ظاهرة التجمع والشلل بين الشباب من الظواهر السائدة في مجتمعاتنا العربية ، فتجد معظم الشباب يتجمعون في شلل بالشوارع والأندية والرحلات الأسبوعية والتجمع الدوري في بيوت أحد الأصدقاء والسهرات في ليالي الجمع وفي العطلات الرسمية ، وهذه التجمعات كثيراً ما تؤثر على سلوك الأفراد سواء بالإيجاب أو بالسلب.

ولقد إهتم العديد من علماء الإجرام بدراسة تأثير الجماعات منحرفة السلوك على الشباب الذين يتصلون بها أو يصاحبونهم ، لاسيما إذا كان عند هؤلاء الأفراد استعداداً نفسياً للإسهام في السلوك الإنحرافي ، وكل فرد في المجتمع معرض للسقوط في الجريمة إذا إتخذ أصدقائه من أفراد ينتمون إلى مثل هذه الجماعات ، وتشير الدراسات هنا إلى أن إستجابة الفرد لمثل هذه الجماعات تتوقف إلى حد كبير على شخصية المستجيب ومقدار تأثيره في الآخرين ، وعلى تنشئته الإجتماعية ومقدار رقابة الأسرة على سلوكه وأخلاقه ، وعلى هذا الأساس تؤكد دراسات بحثت السلوك الاجرامي على أن الرفقة السيئة تحطم أو تضعف الروادع تحت تأثير المُثل المستمرة من رفاق السوء هذه المُثل التي تنتقل بعدوى الإيحاء والحث والتقليد وبما يبثه التجمع من إطمئنان في النفوس ، كما تعمل الرفقة السيئة على تعريف الشاب بعادات سيئة ، كالإدمان على الخمر وتعاطي المخدرات والمقامرة والرهان وأنواع النشاط الجنسي المبكر .

ووفقاً لنظرية (الإختلاط المتغاير) لسذرلاند في دراسته لأثر الصحبة السيئة في إرتكاب الفرد للسلوك الإجرامي من منطلق فرضيته على أن السلوك الإجرامي سلوك مكتسب غير موروث يتعلمه الفرد من خلال إختلاطه بأفراد آخرين وذلك بعملية تواصل أو تفاعل إجتماعي بين الأفراد الذين ينتمون إلى الجماعة الواحدة أو المجتمع الواحد ، وأن مثل هذا الإتصال لا يتم إلا بين أشخاص على درجة متينة من الصلة الشخصية أو على درجة واضحة من الصداقة أو الزمالة ، هذا يعني أن يكون بين هؤلاء الأفراد علاقات أولية مباشرة .

إن أسباب تعاطي المخدرات كثيرة ومتشعبة ، وتختلف من شخص إلى آخر ، حسب الظروف والبيئة التي تحيط به ، ولقد أكدت العديد من الدراسات على أنه من أكثر الأسباب الدافعة بالشباب نحو السقوط بمصيدة تعاطي وإدمان المخدرات يمكن إختصارها في التالي :

–         الفضول وحب الإستكشاف والمغامرة والخروج من القوالب التقليدية للحياة ، ومجاملة الآخرين على سبيل التجربة بسبب ضعف الشخصية ، وعدم الثقة بالنفس التي تودي غالباً إلى الوقوع في هذه المصيدة .

–         الصحبة السيئة أو رفقاء السوء ، من أهم الأسباب التي يستدرك بها العاقل ، ليوقعوه في الشباك ويسقطوه في الفخ .

–         أوقات الفراغ : إن الفراغ الذي يعانيه كثير من الناس يعد الطريق الأسرع إلى الفساد بصورة عامة ، وإلى تعاطي المخدرات بصورة خاصة .

–         البطالة : وهذه تشكل أرضا خصبة لإنتشار المخدرات حيث يكون الأفراد في هذه الفئة فريسة سهلة للتعاطي .

–         الإعتقاد الخاطئ بعلاقة المخدرات بالجنس أو بقدرتها على تخليص الشخص من الهموم أو على الأقل نسيانها ، حيث يعتقد الشباب أن بعض أنواع المخدرات تزيد الرغبة والمقدرة الجنسية وسرعان ما يكتشف مع تقدمه في التعاطي بأن هذه أوهام وأن لهذه المواد تأثيرا عكسياً على قدراته .

–          توفر المخدر وسهولة الوصول إليه ، والحصول عليه يجعل سعره في متناول الكثيرين وتزيد بذلك الفرصة للتعاطي

–         ثقافة المجتمع و نظرته للمادة المخدرة ، فهناك الكثير من الناس يعتقد بأن المخدرات غير محرمة ، كما هو الأمر في الخمر ولم يرد نص شرعي لتحريمها ، كذلك الإصطدام بمجتمعات وثقافات مغايرة من خلال سفر الشباب في مرحلة المراهقة للدراسة بالخارج أو السياحة  .

–         حالة الشخص الإقتصادية الجيدة إو السيئة لها دور كبير في مسألة الإتجاه نحو المخدرات فإن تمتع بعض الشباب بدخل كبير دون ضوابط في الإنفاق ودون محاسبة داخلية إيمانية وخارجية دور في إنتشار هذا السم القاتل ، كما ان الحالة الاقتصادية السيئة والفقر ، والتي يرافقها دائماً الجهل وبالتالي الإنغماس في الأخطاء القاتلة .

–         الإستخدام غير الطبي للعقاقير الطبية ، إن إستخدام بعض الأدوية دون إستشارة طبّيّة والتعود عليها يؤدي بالجسم إلى طلب المزيد من هذا العقار الذي قد يكون في تركيبه ما يدعو إلى الإدمان .

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *